محمد أبو زهرة

1337

زهرة التفاسير

اسْتَطَعْتُمْ . . . ( 16 ) [ التغابن ] واعتبروا هذه الآية ناسخة للسابقة ، وفي الحق ، إن دعوى النسخ باطلة ، فإنه إذا صحت الرواية ، فإن المناسب لمعناها أن نقول : إن القوم لقوة إحساسهم الديني لم يرفقوا بل اشتدوا على أنفسهم في العمل ، فقاموا في صلاة الليل حتى ورمت عراقيبهم ، وتقرحت جباهم ، كما ورد عن سعيد بن جبير ، فبين اللّه سبحانه وتعالى المقدار الذي كلفوه ، وهو الاستطاعة الدائمة ، فهم لا يكلفون إلا المستطاع الذي لا يشق أداؤه ، وهذا هو المعنى الذي يتفق مع الحقائق الإسلامية والسنن المروية الثابتة ، فإنه يروى أن النبي صلى اللّه عليه وسلم رأى عابدا يعبد اللّه حتى أرهق نفسه وغارت عيناه ، فقال له عليه الصلاة والسلام : « إنّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق ، إنّ المنبتّ لا أرضا قطع ، ولا ظهرا أبقى » « 1 » . وإن أفضل التقوى في الإسلام ما يدوم ، وما يمكن أن يستمر الشخص عليه من غير إجهاد ومشقة ، ولذا قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أحب الأعمال عند اللّه أدومها وإن قل » « 2 » وقال عليه الصلاة والسلام : « إن اللّه يجب الديمة من الأفعال » « 3 » وذلك لا يكون إلا في دائرة المستطاع ، وقد جمع النبي صلى اللّه عليه وسلم معنى تقوى اللّه حق تقاته في قوله : « حق تقاته : أن يطاع فلا يعصى ، وأن يذكر فلا ينسى ، وأن يشكر فلا يكفر » وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ : النهى ليس منصبا على الموت ، وإنه بضم النهى إلى الاستثناء يكون المطلوب أمرا إيجابيا ، وهو ما بعد أداة الاستثناء ، فيكون المعنى الجملي كونوا على حال الإسلام المستمرة إلى الموت ؛ إذ كل كلام مشتمل على استثناء هو في معناه تكلم بالباقي بعد أداة الاستثناء ؛ فإذا قال قائل : لا تكرم إلا محمدا ، فمعنى القول أكرم محمدا وحده ؛ لأن معنى الاستثناء نفى وإثبات ، فهو يتضمن النفي لما عدا ما بعد

--> ( 1 ) رواه أحمد : باقي مسند المكثرين ( 12579 ) . ( 2 ) رواه البخاري : القصد والمداومة على العمل ( 5983 ) ، ومسلم : صلاة المسافرين وقصرها - فضيلة العمل الدائم من قيام الليل وغيره ( 1305 ) . ( 3 ) سبق تخريجه .